لعل ما يبدو اهتمامًا نظريًا بعيدًا عن الحياة اليومية، هو في الحقيقة ما يشكّل تجربتنا كلها.
كانت هذه الفكرة عن وعينا، رغم غرابتها، سببًا كافيًا للكثيرين لإعادة النظر في سؤالٍ لم يكن يومًا سهلًا.
ومن بين كل الأسباب التي تجعل السؤال عن الوعي صعبًا، قد يكفي واحدٌ ليحوّل نظرتنا عن كل شيء إلى الأبد.
ماذا يعني أن تكون الأداة هي الموضوع؟
قد يخطر ببالك استحالة أن يشير أصبعك إلى نفسه، وبالمثل، صعوبة فهم الوعي. وهذا صحيح، ولكن بالنسبة للبعض، قد لا تتوقف المسألة هنا.
حين نسأل عن طبيعة الشيء، هل ندرك طبيعته ذاتها، أم أفكارنا عنه؟
وهل يمكننا فحص أفكارنا بأدوات هي نفسها أفكار؟
في سعينا الدؤوب للإجابة، قد يقودنا البحث—وفق رؤية البعض—إلى إعادة اكتشاف ما يصبح محور التطور وموضع خلق المعنى.
وقد تُعد هذه الدائرة المغلقة بوابة لفهم الوعي بطرق تتجاوز حدود اللغة والمنطق وأدواتنا العلمية الحالية.
إلى أين يمكن أن تقودنا هذه المعضلة؟
في الفلسفات الشرقية، لا تُرى المرجعية الذاتية كمعضلة، بل كلعبة يمارسها الوعي مع ذاته، حيث يبدو الانقسام بين الرائي والمرئي مجرد وهم. وهكذا، تصبح الحلقة المفرغة هي الأثر الذي يخلّفه الوهم وهو يحاول أن يؤكد حضوره. فإن كان الانقسام بين الرائي والمرئي وهمًا، فمن يكون هذا الذي يطرح السؤال أصلًا؟
الوجود كحلقة مغلقة
يرى جورج باركلي، الفيلسوف الإيرلندي ومؤسس المثالية الذاتية، أن الواقع لا يستند إلى مرجع خارجي مستقل عن الوعي، بل يجد أساسه دائمًا في الداخل، في فعل الإدراك ذاته.
فكل محاولة لإثبات وجود المادة تنتهي بالعودة إلى الوعي ذاته، إذ لا سبيل لإدراكها إلا من خلاله. وهكذا نجد أنفسنا داخل حلقة مرجعية مغلقة: «أعرف أن المادة موجودة لأنني أدركها، وإدراكي هو الدليل الوحيد على وجودها».
هل ترى أن فكرة باركلي، القائلة بأننا لا نستطيع الخروج من وعينا للتأكد من وجود المادة، حقيقة منطقية؟ أم أنها مجرد «لعبة كلمات» فلسفية؟
ماذا سيحدث لو حاولت أن تترك إدراكك يتحرك بحرية؟ ربما تبقى الإجابة، وربما تبقى مجرد سؤال يرافقك.


اترك تعليقاً